الأربعاء، 22 أبريل، 2009

وصية



حينَ ترجعُ يا صديقي

خذْ جراحي في حقيبتكَ

خبأني بينَ طياتِ الثيابِ وريقةً من شعر

احفظْ ما تبقّى من ملامحِ ذلكَ الوجهِ

وقلْ للأصدقاء…

إنني جرحٌ بساقينِ

وصوتٍ

وفناء
حينَ ترجعُ يا صديقي

احضنِ الشارعَ واملؤهُ نحيباً

تنفَّسْ قدرَ ما يملأ حنيني من هواء

انتحبْ عني

وقلْ للأرضِ..

هاكِ نحيبها

نهرينِ من غربة

وقاماتِ ابتلاء
حينَ ترجعُ يا صديقي

قبلِ الجدرانَ

وقلْ للموتِ..

أوصتني بذلك

قبلِ النهرينِ والنخلَ

وقلْ للموتِ..

ارفعْ عن ترابي لعنتك

قبلْ جبينَ اللهِ في كلِّ المآذن

خذْ بأنفاسي

وقلْ للموتِ..

أوصتني بذلك
* *
للشمسِ فوقَ شفاهِ دجلةَ صورةٌ أخرى

للعشقِ في وطني مذاقٌ آخر

للحلمِ في وطني مذاقٌ آخر

حتى الموتُ في وطني لهُ مذاقٌ آخر
لخبزِ تنورِ العراقيينَ في المنفى مذاقٌ آخر

للشعرِ في المنفى مذاقٌ آخر

وحتى اللحنُ في المنفى يعانقهُ نحيبٌ آخر

حينَ ترجعُ يا صديقي

زرْ بيتي

وابحثْ في زواياهُ عن صورةٍ


عن ضحكةٍ أو دمعةٍ

عنــَّا


وإنا مبعدون

زرْ بيتي

واغرفْ من ترابهِ ما يكونُ لغربتي زوادةً

عانقْ نخيلَ حديقتي عني

اسقِ الشتيلةَ..

جفَّ في أوصالها خوفٌ

أغلق ِالأبوابَ إذ لم يتسعْ وقتي

اغسلِ الأشلاءَ عن جدرانهِ

هدهدهُ واحنو

انتشلهُ من الدوي

اعتذرْ عني لبيتي

لم أخنكَ .. ولم أغادر

إنهم سلبوني منكَ

وفي صباحٍ عابسٍ مني سُلبتَ

أغمضوني

وأغمضوك

* *
يا أيها الأحياءُ والأمواتُ

يا من تسكنونَ الحربَ بيتاً

الشعرُ يحملنا إليكم

ونحلمُ - ذاتَ فاجعةٍ- بأنـّا قد نعودُ

حينَ ترجعُ يا صديقي

حينَ تمرُّ في ساحةِ عنتر

قلْ لأوصالِ الحديقة..

إنها كانت هنا
حينَ تذرعُ خطوتاكَ رصيفَ أبي نواس

اقطعِ الزمنَ القديم

وقلْ..

مشت الغريبةُ - ذاتَ ماضٍ - من هنا
حينَ تبكي إذ ترى جسراً تهدَّمَ

قلْ..

يا صرافيةَ الخيرِ .. انتفضْ
خذْ من أديمي حفنةً

وانثرهُ فوقَ الجسرِ

عمِّدني بهِ

عمِّدهُ بي

وأنا الترابُ

وكلُّ أرضي جنةٌ

حتى وإن وشمَ الغزاةُ جبينها

( لن تدخلوها آمنين )

* *
للروحِ أوجاعٌ

على طولِ الهزائمُ تستجيرُ :

عـراقُ

يا عـراق

وإذ ضاقت منافي الروح

أُوجِعَت القصائدُ بالصراخ :

هيا ارجعوني للعراق

ارجعوني للعراق

رنا

متى صدر مرسوم بتسمية الوردة؟ تساؤلات نيرودا في ديوانه الأخير



في لحظات توجس الذات , تتجه مجسات العقل لفتح باب يطل على الطمأنينة او البراءة بهدف الوصول الى السكينة و التمكن من القلق و تقشير خشونة العالم , و قد تكون الطفولة احد اوجه تلك البراءة و مكمن الطمأنينة المنشودة , لكن نيرودا الثوري بأبعاد ثوريته الثلاث ( الشاعر / العاشق / السياسي ) اقتنصها بحكمة شيخ مدمن الوجود , مختارا قرار الاستمرار قبل الحياة و بعد الموت في مناهضة صارمة لكنها تتميز بالهدوء ايضا للموت الزاحف نحوه بزي سرطان الدم , فيختزل نيرودا كل هذا في جملة قاطعة , لكنها ذات افاق متعددة : ماذا يقول عن شعري الذين لم يلمسوا دمي ؟! .
ما اجترحه نيرودا / الثائر في تطلعاته الممتدة تحت اغشية الحياة ليس سوى استهداف للمتكدس على غلاف العالم الذي يراه الاخرون على السطح و لا يفهمون ما يتكاثر تحته من استفسارات و تناقضات و لا اجوبة , و تلك الاجتراحات المنسابة في تدوينه الاخير ( كتاب التساؤلات )* و الذي انهاه قبل وفاته ببضعة اشهر ما انفكت تؤكد تواشج وعيه مع براءة الطفل الذي مازال حيا فيه , فحينما يدرك العالم و يمسك كدفتي كتاب مقروء حد الفهم و الهضم , يعود المتسائل في رحلة عكسية نحو الذات الاولى / الطفولة , فيستقرأ نيرودا المنحنيات و الانعطافات في مدار جوانيته التي يشك بما تحتويه من كم الطفولة , فيقودنا في سلسلة براءات و استحضارت و تخيلات يانعة تعكس سخرية ذلك العجوز من البدء و الانتهاء , رافضة ما يحيل الحلم الى فراغ داكن , منددة بما يشوب الروح من تجعدات , معلنا كل ذلك في نمط سؤالي يتسم بالرصانة و الهدوء , و اللامبالاة ايضا ً , كمن يتهجى المثير للدهشة في مرته الاولى :
هل في الحياة أسخف من أن تدعى بابلو نيرودا ؟
من أسأل عما جئت أصنعه في هذه الدنيا ؟
أين الطفل الذي كنته ؟ أما زال بداخلي , أم رحل ؟ أيعلم أني لم أحبه و أنه لم يحبني ؟ لماذا أنفقنا كل هذه السنين نكبر لنفترق ؟ لماذا لم نمت عندما ماتت طفولتي ؟

لكن نيرودا يدرك في سره حياة الطفل داخله , و ان كان يبدو عليه ان هناك ثمة تساؤل , لكن هذا ليس سوى نوع من مراوغة الذات و محاولة اقناعها بزوال الازمنة بالتتابع , لاسيما و ان الطفولة تندرج في سياق ماض يحاول هو اظهار عدم التشبث فيه , لكن الالتفاف حول الطفولة ينكشف من خلال الموائمة بين عبث الطفل و حكمة الشيخ في منطقة غرائبية / استهجانية / بريئة / و منكرة ترفض الواقع و انعكاساته المتشظية من خلال صوت الثوري المنبثق من سكينة تكترث بالسعادة ابداً :
أين ترك البدر كيس طحينه الليلة ؟
سأل الجمل السلحفاة : ماذا تحرسين تحت السنام ؟ فأجابت السلحفاة : ماذا تقول للبرتقال ؟
لو نفذ اللون الاصفر , فبماذا نصنع الخبز ؟
هل صحيح أن الشهاب كان حمامة ارجوان ؟
علام َ يضحك البطيخ ساعة ذبحه ؟
حين يتأمل السجين النور , فهل هو النور نفسه الذي يسقط عليك ؟
ما لون نيسان بالنسبة للمريض ؟
و نيرودا الذي اعتبر بيكاسو الشعر يحرص في تأملاته ان يظل بعيدا جدا عن النمطية , منتقلا من صورة نحو اخرى , فكان المناهض للقبح / الذواد عن الفضائل / القارئ للجمال دونما منغصات / الباحث عن الأمل في آخر شهقة حظ / المتحسس مواقع الاصفرار في الروح و المعلن عنها / الدائم الاخضرار خارج هالة وجوده / العاشق بلون متوهج / الثائر الذي يتردد بين الحين و الاخر بين العقيدة و الاديلوجيا / المتماهي مع الهواء الاول / البارع في رسم نص مغاير , عصي الامساك بالصورة الشعرية بشكل تقليدي , و انما بشكل مراوغ للتأويل , المستفهم بنبرة واطئة عميقة :
- لماذا لا يدربون المروحيات على جني العسل من الشمس ؟
- لماذا لا تحلق الطائرات العملاقة مع اطفالها ؟
- هل تنزلق الكلمة أحيانا ً كالأفعى ؟
- من المذنب , الصرخة أم الاسماك الملطخة بالدم ؟
- كم سؤالا ًعند القطة ؟
- هل هذه الهدنة الدائمة نظام أم حرب ؟
- هل يغضب النمل لو صنع الذباب العسل ؟
- لماذا يعرض الربيع ملابسه الخضراء من جديد ؟
- لماذا تنتحر الاوراق عندما تشعر بالاصفرار ؟
- لماذا يكتبون في العصور المظلمة بحبر خفي ؟
- أي شغل شاق يقوم به هتلر في الجحيم ؟ يدهن الحيطان أم الجثث ؟ يستنشق أدخنة الموتى ؟ هل يطعمونه رماد الاطفال المحروقين ؟
و بينما هو يتنقل بين أقبية الحياة و أزقتها , كان بابلو نيرودا يدرك بأن الزمن العام الخارجي لا يشبه زمنه ابدا , لا الساعات هي الساعات و لا الاعوام مشابهة , فزمنه يصل بعضه البعض بلا فواصل غير انفجارات أهوائه و تلاوينه المترامية , و هكذا فهو يقترح زمنه الخاص المنبثق من امساكاته الخاصة و اشتهاءاته الدؤوب , ايضا يحاول اشعال الفتنة للثورة على المحسوب و المحصى لانتظار القادم , و ربما تخيل شكل المجهول , و قد يستعين بمشاكسة بكر لا تريد ان تكبر بتاتا ً:
- ما اسم الشهر الذي يأتي بين كانون الاول و كانون الثاني ؟
- كم عمر تشرين الثاني ؟
- كم نحلة في اليوم ؟
- بأي حق أحصوا حبات العنقود الاثني عشر ؟
- لماذا لم يعطونا شهوراً طويلة تدوم كل السنة ؟
- ما الصورة الحقيقية لنهاية المستقبل ؟
و من زمنه الخاص / المقترح , لم يغمض نيرودا قناعته بأن الروح انما هي تجوال دائم , و قناعاته بالوجود ماهي الا ترجمة انسانية لعبور تلك الروح لإجساد متنوعة بالتعاقب , و مصدر قناعاته تلك ربما من كون الشاعر مارد منتقى معمد بتهاليل الكون , مادته روح خاصة ليست مألوفة , و ليست مجبولة سوى على الانتقال من مادة الى اخرى اي من جسد الى اخر , و بهذا يكون للموت عنده شكل النوم المؤقت في رحلة جوية تنفخ في الزمان و المكان حدثاً مختلفا ً, مستنكرا ً ان يكون هناك موت بمعنى الرقاد الابدي , مستفسرا في احيان اخرى عن مدى حقيقة ان تنوجد للروح حياة واحدة تنتهي بالتوحد مع الارض بصمت مثلما كانت البداية بالتوحد مع الهواء على سطح تلك الارض بصرخة طفولية تنذر بالبدء في منغرس عشقه ( شيلي ) :
- لماذا اخترت الهجرة اذا كانت عظامي تسكن شيلي ؟
أين تذهب أشياء الحلم ؟ هل تنتقل الى احلام الاخرين ؟
أين ينتهي قوس قزح ؟ في روحك أم في الافق ؟
ماذا ستفعل عظامك المحطمة ؟ تبحث عن شكلك من جديد ؟ هل يذوب حطامك في صوت آخر و ضوء آخر ؟ هل تصبح ديدانك جزء من الكلاب أم الفراشات ؟ هل يقبل فمك القرنفل بشفاه اخرى ؟
هل يتكون الموت من العدم أم من مواد خطرة ؟
هل وجدت نفسي أخيراً من حيث أضاعوني ؟
اذا مت و لم اعلم بموتي فمن أسأل عن الوقت ؟
أخيرا ً , أ ليس الموت مطبخا ً متصلا ؟
يبقى بين كل هذا و ذاك حاجز من القلق يستوي بين النضج و البراءة في مخيلة بابلو نيرودا يستند اليه في مواجهة رحتله التي استوعب جيدا مفرداتها و اشاراتها متمكنا دائما من ايجاد معادلات في الشعر قادرة على ابراز المعنى في صورته اليومية , و معززا في نفس الوقت هجسه من الفصول و هي تتعاقب للنيل من روحه و سجنها في جسد قد لا يروق له فيما بعد , و وضعها في دلالاتها المرتبطة بتوالد سنوات العمر , كما وانتخب مادة الطبيعة لمعيار صورته الموجزة ( الارض / الولادة , السماء / الحرية او المجهول , الشجرة / الحياة , الجذور / الطفولة , الأوراق / العطاء ) غير متناسيا لمعان اللون في شحذ كل ما اراد ان يقول :
لماذا تنتحر الاوراق عندما تشعر بالاصفرار ؟
ماذا تعلمت الشجرة من الارض ؟
لماذا تخفي الاشجار روعة الجذور ؟
في الشتاء هل تعيش الاشياء خفية مع الجذور ؟
من هلل لولادة اللون الازرق ؟
أ صحيح أن الخريف ينتظر أمراً وشيكا ً؟ ربما ارتعاشة أو حركة في الكون ؟
متى صدر تحت الارض مرسوم بتسمية الوردة ؟
و لما كان للحضور عنده معنى مشتبك , ضبابي و غير مفهوم غالبا , لذا نراه في بعض المحطات خاضعا لارجحة متكررة أو استنكار سودادي , يؤكد في اي منهما مناخ النهاية المسيطر عليه , و الذي يبدو انه لم يكن يعتبره معطيا للحرية على عكس الكثير من الشعراء , ربما لانه يريد اقتناص كينونة اكبر , فيستدرك في بعض المواقع عجزه عن وضع مسميات او معرفة ماهية ما يمر من بين يديه , مأزوماً بانتظار ما يحاول التنصل منه , تغمره اللاجدوى , و لكن هذه المرة بوعي رجل خالص :
- هل يقاسي الذي ينتظر دائما أكثر من الذي لم يجرب الانتظار ؟
- على أية نافذة وقفت اراقب الزمن المدفون ؟ أو هل ما ارى من بعيد ما لم أحيه بعد ؟
- ماذا نسمي الاعاصير حين تنتهي ؟
- في بحر اللاشيء هل ثمة ملابس للموت ؟
- مذا تعني مثابرتك في دهليز الموت ؟
للمعتاد سطوة كبيرة يعرفها بابلو نيرودا جيدا , لكنه اراد ان يتوغل في التماهي مع السابق و المنتظر , منتصرا في ( كتاب التساؤلات ) الى البراءة في زي الحكمة و هي تختصر مساحة ( مثلث الثورة في داخله ) الشاعر والعاشق و السياسي لتتمركز في الانسان الممتد من الولادة حتى الشتاء و هو يدافع عن تجواله بصوته الذي يعلن لأول مرة الطفولة على الملأ .

حملة ( المونوبولي ) لشراء الوطن



بقعة على الارض , منفى , مغترب .. داخل الاسلاك الشائكة أو خارجها.
الزمان : يوم واحد مستقطع من أجندة الفراغ.
الابطال : عراقيون مع سبق الاصرار و الترصد.
ملاحظة : مع تغير قوانين الزمان و المكان تتغير قوانين اللعبة و قد يتساءل الجميع .. كيف سنلعب المونوبولي اليوم ؟
قد تكون هذه اللعبة غير متوفرة , لذا سنحضر أقلاماً و ألوانا ًو أوراقا بيضاء نلصقها ببعضها لنحصل على مربع لا تتجاوز مساحته مقدار حلم واحد بالعودة.
نرسم اطارا للمربع الكبير و نقسمه الى مربعات أصغر. و يحق لكل لا عب ان يسمي المناطق بحسب المحافظة التي ينتمي اليها , و لتحقيق الهدف بسرعة يشترك اللاعبون الذين يتراوح عددهم في كل لعبة من ( 2- 6 ) في اختيار محافظة واحدة ضمن تصفيات المرحلة الأولى من حملة المونوبولي.
سيختلف شيء آخر .. فلا بنك سيوزع على اللاعبين الوريقات النقدية الملونة , و لن نرضى بالدعم الخارجي بل سنكتفي بما نملك من نبضات تتسارع و تتزايد بمقدار لهفتنا على اقتناء المستباح من الذكريات و الارض.
أيضا ً, لن تكون هناك فيش للعب , كل لاعب سيتجول بهويته الحقيقة , و لن نرضى ابدا تزوير الحقائق و الاسماء.
شيء واحد سيظل على حاله .. النردان.
( انطلق ).. يبدأ التجوال من مربع أخضر , تتسارع دقات القلب و يتوقف اللاعب عند منطقة يغمره الشوق الى بريقها . نردان آخران و انتقالة فذة للاعب ثان يحتضنه الحظ في ( صندوق الحظ ) الذي يضاعف رصيده من دقات القلب . ضربة ثالثة للنردين تستوقف اللاعب الاخر عند احد المعالم السياحية المغسولة بشروق شمس نقي . ضربة رابعة تقود اللاعب الرابع الى ( صندوق الذاكرة ) الذي يضاعف رصيده من الدقات مرتين . ضربة خامسة تقود لاعبها الى منطقة أفرغت من حكايات ساكنيها . ضربة سادسة للنردين تسحب صاحبها الى مربع ( الانتظار الاجباري ) حيث عليه ان يزيل اثار الدماء على الجدران و الشوارع و يلملم الشظايا و الركام .
تستمر اللعبة .. يتعاقب نردان بعد نردين , مناطق تلو مناطق , صندوق الحظ و صندوق الذاكرة , ايضا مربع ( الانتظار المجاني ) الذي يشخذ عزيمة اللاعب بصور الذكريات و يغمره بهواء لم يلوثه دخان الخراب القائم .
تستمر اللعبة و تلتهب الحماسة و تتسارع دقات القلب.
نردان يوقعان احد اللاعبين في مربع ( الحساب الأبيض ) حيث يخفت القلب و تكون الغرامة لحظة تأمل لمحاسبة الذات على قبول الهزيمة.
نردان تلو نردين, يتعاقبان و يتعاقبان لتنتهي الجولة الأولى ببداية الجولة الثانية من نفس المرحلة, و من مربع ( انطلق ) يتضاعف الحساب مرة تلو مرة, المناطق تشترى و تعمر البيوت. لا حدود لعدد البيوت. تضج الورقة بالمساكن و تلمع الجدران و تعكس الارصفة صفاء السماء الخالية من رذاذ الحرب.
تتوهج الورقة الصغيرة, تكبر و تتسع من ضجيج البشر .. قهقهات .. امنيات .. زغاريد .. دعاء بالحفظ .. و اغنيات تعلن نهاية المرحلة الأولى و بداية المرحلة الثانية للنيل من مداهمة الوقت الذي صار يقترب من لحظة تحقيق الحلم.
تجمع أوراق كل محافظة و تلصق مع بعضها بصمغ خاص يصنع من التمر المعجون بالماء و التراب لتفترش المساحة الممتدة بين الواقع و الحلم.
تعلو الزغاريد و يقترب الوقت , نسرع في مد المدن ببعضها. نجاورها واحدة تلو الاخرى, واحدة فوق الاخرى. نرصها. نعبدها. نرسم النهرين و نغرس النخيل.
الله .. ما أجمل الوطن.
البيوت شامخة و الشوارع تنبض بالوافدين. السماء عاكسة لنقاء النهرين , و النخل باسق يعانق أشعة الشمس الباسمة.
نشم رائحة التمر و السمك المسكوف , و مع اطلالة الخبر و القيمر يعلن الفجر نهاية المرحلة الثالثة .
أرى العراق بلون الفرح , نابضا ً بالحياة , مشعا ً مثل عشق حر .
انتهت اللعبة.
جاء الصباح بلفحة دمعة.. ربما علي الاعتراف بأني لا اتقن الوهم و الاحلام.
من شدة فزعي وجدتني اردد :
يالله ..
أعنا على فراق أوطاننا
أعنا على فراق أنفسنا في أوطاننا
أعنا على أوطاننا خارج أوطاننا
أعدنا لجدراننا الأولى , و أذقنا طعم هوائنا الهواء
عمدنا بماء دجلة و الفرات
اغسلنا من الشظايا , و أغمضنا عن رؤية ثقوب الحرب
أعزنا يا الله و انصرنا بشراء هذا الوطن
انا لله و إنا اليه لراجعون .. إنا للوطن و إنا اليه لعائدون .. إنا للوطن و إنا إليه لعائدون
إنا للوطن و إنا فيه و خارجه لميتون ..
اجعلنا يا الله من أحيائه القادمين
حسبنا الله و نعم الوكيل
حسبنا الله و نعم الوكيل
حسبنا الله و نعم الوكيل.
تنويه و اعتذار من العزيزة د. ميسون الموسوي : اعذريني يا ميسونتنا البهية حاولت أن اتبع وهج كلماتك التي كتبتها لي ( غاليتي .. حاولي و ان كان بالحلم او تصنعا حتى , حاولي أن تفرحي و لو قليلا ً لكي يرتاح قلبي المتعب من احزانك ) , لكنني وجدت نفسي و انا اضع قوانين اللعبة ملطخة بدم الشهيد كامل شياع , مذعورة من ألم حسين عبد اللطيف و مفزوعة من دوي أخطأ جواد الحطاب .. فاعذريني لأني لم أتقن صناعة اللعبة بخفة دم و مرح مثلما بدأتيها أنت .
رنا جعفر ياسين

الجمعة، 30 يناير، 2009

الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2008

هذيان يشبه الموت



لانك تشبهني في لاشيء

احببتك

اراك

في عدمي هالة بلون الليلك الذي احب

هل يحق لي ان استنير بالشرود كي ادنو لناصية كعينيك .. ملاذ لبكائي

بكل خوفي اتلمس وجهك

اخاف التأخر ... كل شيء يمر دون ان يبقى بحوزتي شيء سوى الهذيان

تجلدت ربيعاً فخريفا ً

لكنه الصيف ..

اذابني كوردة يعصف في مهبها موت كئيب

و لانني اضحية تنحرها الاقدار

فقدت رأسي من ضياعات كثيرة

و لم يقوى ابتهالي على تسريب ثانية جديدة اعيشها معك

العالم في قارورة سم قاني

العالم في لغة انقرضت تحت ستار الرحمة المؤول

الكل يبحث عن شاة جديدة ... يقدمها لكبرياء القدر المتعجرف

و لأنني انثى بلادها الموت على ناصية التقاليد

تقدمت على مشيئي بالارتحال اليك

فعدت اجر خيبتي و رأسي وقبضة ملطخة بالدماء

اموت في عيشي

اتنفس الهواء الملوث بالممنوعات

انسى مايجيء مثلما نسيت ماضيي المعفر بالخواء من الاماني

اشبع من ترديد المحظور

فالحب محظور جديد

و الانتقال الى السماء محظور محرف

و انت محظور احبه حد موتي

حد البكاء او العناد او العناق

حد التلاشي في حضورك

اغيب كلما حاولت ان القاك

و عناقنا يأسره محظور اقداري .. يكبله مصيري ... انه موتي قريب

تمنعني خساراتي

يعمدني الفراق بالرحيل الى قيامة تشبه وجهك

كم احب وجهك !!

كم أحبك !!


رنا

اطوار البهجة المسلوبة.. مِسكُ القيامة القريبة



الغالية اطوار
صباح الجنة
عامان و بضع سويعات تفصلنا عنك , عامان و بضع سويعات تعمد الخراب بلعنة القداسة , كيف انت الان ؟ بحال افضل ؟ ارواحنا تعربد , الالم بهاء الجسد الطاعن في الخيبة , وبين خطوط المدن اللافضة لنا مازلنا شتات بشر( في القاهرة , حينما زرتها قبل عامين و بضعة اشهر شتائية , كانت المصالحة الوطنية مزعومة كما هي اليوم , مؤتمر تجار سياسين , و زهرة بنفسج كنت تباغتين المزايدة تلك بحلم ان نحمل متاعنا في الصيف القادم لرؤية ام الدنيا , و لكن الصيف جاء و انت خارج نطاق ارضنا و قاهرتنا , من العراق حتى السماء , و انا من حجرة القتلة الى قاهرة لم تستطع ان تصف لي شكل عينيك في شوارعها المباهية بالفرح في كل زمان ) مر وقت طويل , لم نتحدث عن شتائك البارد و صيفي الساخن , الاوغاد الذين ازهقوك و الازلام الذين سلبوني رغبة الوطن , نعم لم نتحدث , ربما الوحدة الان تجمعنا اكثر , بيتي بلا طعم كما قبرك , لانهما خاليان من الصحبة , هكذا اتصور
.منذ عامين , نما الموت , و بات وفيرا , جاهزا , يحصد ارواح الحالمين , موزعا الفاجعة كحلوى اجنبية الصنع , تخدعنا شقاء فريد يأخذنا , جدير بالحزن حد السأم نعم , هي احلامنا المظلمة تعاند الكوابيس بشيء يشبه التذكر , و لكنها تكاد تئن من فرط الوجعالموتى , انتم , تصطفون .ارقام هواتفكم . صوركم , اسماؤكم , ثرثرة الالم ساعة الانكسار
ابعث لك رسالتي و قد ضاق بي الانتظار افكر دائما .. كيف واجهتي السياف ؟ أنا واجهته بالذهول , ربما لاني تعلمت درسك جيدا ً( لا فرق بين عراقي و عراقي الا بالخوف على هذا البلد , ايضا يا اطوار , لا فرق بين مقتول و منفي الا بنبض وجعه اللامسموع )
عزيزتي , كيف هي امي ؟ أمازالت موبؤة بالحزن ؟ طمئنيها , أنا اقترب كثيرا , لا مسافة تفصلني عنكم فقط برزخ حياة متبقية هي طيبة يا اطوار , اعرف جيدا انها كانت بانتظارك مثلما اوصيتها , انتظرتك طويلا عند باب الجنة و انت كنت محروسة في ثلاجة الموتى في مستشفى اليرموك , التي تعرفها جيدا هي ايضا, و لكنها كانت قلقة عليك من قسوة العاملين فيها , آذوها في السابق , و لم تكن لتريد لك ذلك , لذا كانت أمي قلقة عند باب الجنة , هذا ما كان باديا عليها ساعة وصولك أؤكد لك هي طيبة , حنونة ايضا , لن تشعري بالوحدة معها , و لكن هل اخبرتها كل شيء عني ؟ اتمنى الا تكوني فعلت ؟ لانها ستحزن كثيرا و تقلق ايضا , هذه عادة الامهات يا اطوار( حدثيني عنك اكثر , كيف هي الجنة يا أطوار ؟ الطقس بارد ام حار ؟ هل هناك قتلة ايضا ً ؟ مسلحون ؟ عساكر ؟ مفخخات ؟ قتلى ؟ اشلاء ؟ اذن عليك نسيان كل هذا و لكن , كيف هي احوال الاقامات معكم ؟ هل تجددونها كل عام ؟ و لكن عامكم في الجنة كم يساوي على الارض ؟ و هل اعتبروا جوازك غير نافذ الان ؟ اعتقد انه كان من فئة s , ماذا ستفعلين ؟ هل تفكرين باصدار جواز اخر من بغداد ؟ يصدر اسرع و لكنه مكلف بعض الشيء , و لكن من يوصله لك ؟ اووووووووووووووه , امي ايضا , و لكن هي لم تستخرج جوازا اصلا , جوازها قديم , طمئنيني هل تحتاجون لكل هذا في الجنة ؟ )
ما هذا الهراء ؟؟؟أطوار .. يصلبني عجز كبير , أهذي دائما في محاولة يائسة للعودة الي , الآلام الاكثر فظاعة هي الآلام الخرساء , هكذا يقول بودلير .
و لكن , ماذا تقرأين الان ؟ اكيد هناك ستكتبن اجمل
اصرخي يا اطوار بهجت ..
صرختنا منذ عامين مازالت مدوية ترج الوطن , انسي الوطن طويلا , طويلا , ارتكبتيه كثيرا في الماضي , انسيه الان , انسيه ابداانسي طفولتك و شقاءك , و لا تسمي الاحلام بأسماء القتلة , اعرف جيدا انك تشعرين بالغدر , ربما ترددين ما قلته أنا ذات يوم ( لوثنا التيه , فجلسنا نقتنص الخيبة , و ما نكف عن رسم الاساطير ) , لكنني اعرفك جيدا لن تتخلي عن الحلم , و هناك اعتقد أن الاحلام اسهل , بلا شرط او قيد او حتى اديولوجيات تحلل و تحرم أو تبيح السفك نحن ايضا تركنا كل شيء يا أطوار , العراق محض ذكرى و دم , و قبوركم هناك كل ما تبقى في حضرة الهواء المسموم بالدخان , و الماء الملوث بالدم ضعي العراق قرب خريطته المدفونة , و احلمي , كوني بحلم اخضر له لون عينيكاعشقي هناك , و تحضري لعيد الحب بلا رشاشة كلنا على الارض , امك و ايثار , راجحة و ميسم و انا , حتى الحطاب , مشتاقون لعناقك في القيامة القريبة.
قبلاتي
رنا

لابسـوالأجسـاد


ذات مساء حلمتُ ببغداد و كان الظلام يتساقطُ عليها كتلاً ممزقةً و الضباب يهطلُ كالمطر و صوتُ عويلِ يمزقُ الأرصفة في شوارع ٍ خاوية تهضمُ الموت, تركضُ الأرواح المستهلكة و هي تلبسُ أجسادها , تبحث ُعن شيءٍ تقتاتُ به.
و بأقنعة ٍ من شمع ٍ وحديد صدىء تخفي وجوهها تحمل ُ في جيوبها المثقوبة الأسلحة الثقيلة والثقيلة جداً.
فكرتُ وأنا أتنزهُ على الغيوم ... هل لي أن أحلمَ بيوم ٍ لا أسمعُ فيه صوت الرصاص و المدافع و دوي سيارات تغصُ بالمتفجرات؟
أم أحلمُ بعراق ٍ كانت هويته ُ في الماضي حضارةً و مجداً و رمزهُ شموخٌ واباءٌ , حوله العابثون اليوم الى سوقٍ لبيع الخضراوات والفواكه ؟؟
و كنت كلما خطوتُ خطوةً الى الأمام .. رجعتُ بضعاً الى الخلف لأضيف الى أحلامي المؤجلة حلماً اخر, عادةً ما يصيرُ تحقيقه ضرباً من ضروب الخيال.
و قبل ان أكمل نزهتي , تعثرت قدماي , فهويت عن غيمتي .. عائدة ً الى مدينتي الحبيبة بغداد , فسقطتُ في زقاق خلتُ اني أعرفه أو ربما رأيته يوماً في الحلم .. لكنه بدا مهجوراً. و جدتُ أمامي صبياً يكتبُ على جدار مدرسة قديمة زجاجها مهشم : بقبضة من حديد ساخن يسرقُ منا لابسو الأجساد أحلامنا الصغيرة ويبيعونها, ليغدقوا علينا جراحاً كثيراً وموتاً وفيراً.فتسمرتُ في مكاني و شممتُ رائحة البارودرأيتُ حول المدرسة.. شظاياو دميةً صغيرة ملطخة بالدماءو بقايا وريقة محروقة كتب عليها بخطٍ مرتجفٍ : الهامش .. مرتعُ من يفقدون أحباءهم .
عرفتُ عندها أن ما رأيته في ذلك المساء التشريني لم يكن حلماً , بل كان هاجساً خفياً يحاولً أن يدق في اسماعنا ... كناقوس خطر.فتساءلتُ بألم :هل ستتحولُ بغداد الى مدينة تنعقُ فيها الغربان ؟!
رنا